تسجيل الدخول

قديم 02-18-2011, 04:28 PM   #1
أبو عادل
عضو متألق ومشرح للأشراف على الأقسام الإسلامية
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 2,953
معدل تقييم المستوى: 12
أبو عادل is on a distinguished road
لماذا يقسم الله تعالى في القرآن ببعض مخلوقاته ؟

السؤال :

ترى المسيحية أن الله تعالى لا يحتاج أن يقسم بنفسه ولا بشيء من خلقه ، إلا أنه قد جاء مقسما بخلق من خلقه في القرآن ؛ فهل يمكن توضيح تلك النقطة ؟

الجواب :

الحمد لله
أولا :-
لا بد أن نعلم أن الله تعالى فعال لما يريد ، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون ، وليس للعبد أن يسأل الرب عن فعله لم فعله ؟ وإنما الواجب عليه أن يفعل ما يأمره الله به ، ولما اعترض إبليس على ربه لما أمره بالسجود لآدم عليه السلام وقال : ( أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ) الإسراء/ 61 طرده من رحمته .
قال القرطبي رحمه الله :-
" لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته من حيوان وجماد ، وإن لم يُعلم وجه الحكمة في ذلك " انتهى من "الجامع لأحكام القرآن" (19 /237)
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :-
" هذا من فعل الله ، والله لا يسأل عما يفعل ، وله أن يقسم سبحانه بما شاء من خلقه ، وهو سائل غير مسئول ، وحاكم غير محكوم عليه " انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (10 /797)
ثانيا :-
هذه الأشياء التي أقسم الله بها ، من آياته وأدلة توحيده ، وبراهين قدرته ، وبعثه الأموات ، وإقسامُه بها تعظيم له سبحانه ، وتنبيه للناس إلى ما تدل عليه من أدلة وحدانيته ، وآياته الدالة على عظيم قدرته ، وتمام ربوبيته ، وهذا من تمام إقامة الحجة على عباده ؛ حيث أقسم لهم بتلك المخلوقات العظيمة ليلتفتوا إلى جلال المقسم عليه ، وكون المقسم به دليلا على المقسم عليه .
قال شيخ الإسلام رحمه الله :-
" إِنَّ اللَّهَ يُقْسِمُ بِمَا يُقْسِمُ بِهِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لِأَنَّهَا آيَاتُهُ وَمَخْلُوقَاتُهُ . فَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَظْمَتِهِ وَعِزَّتِهِ ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُقْسِمُ بِهَا ؛ لِأَنَّ إقْسَامَهُ بِهَا تَعْظِيمٌ لَهُ سُبْحَانَهُ . وَنَحْنُ الْمَخْلُوقُونَ لَيْسَ لَنَا أَنْ نُقْسِمَ بِهَا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ " انتهى من "مجموع الفتاوى" (1 /290)
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :-
" قسم الله بهذه الآيات دليل على عظمته وكمال قدرته وحكمته ، فيكون القسم به الدال على تعظيمها ورفع شأنها متضمنا للثناء على الله عز وجل ، بما تقتضيه من الدلالة على عظمته . وأما نحن ، فلا نقسم بغير الله أو صفاته ؛ لأننا منهيون عن ذلك " انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (10 /798)

وقد فصّل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله الحكمة في قسم الله بمخلوقاته بقوله :
" فإن قيل : ما الفائدة من إقسامه سبحانه مع أنه صادق بلا قسم ؛ لأن القسم إن كان لقوم يؤمنون به ويصدقون كلامه فلا حاجة إليه ، وإن كان لقوم لا يؤمنون به فلا فائدة منه ، قال تعالى : ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ) البقرة / 145 .
أجيب : أن فائدة القسم من وجوه :
الأول : أن هذا أسلوب عربي لتأكيد الأشياء بالقسم ، وإن كانت معلومة عند الجميع ، أو كانت منكرة عند المخاطب ، والقرآن نزل بلسان عربي مبين .
الثاني : أن المؤمن يزداد يقينا من ذلك ، ولا مانع من زيادة المؤكدات التي تزيد في يقين العبد ، قال تعالى عن إبراهيم : ( رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) البقرة / 260
الثالث : أن الله يقسم بأمور عظيمة دالة على كمال قدرته وعظمته وعلمه ، فكأنه يقيم في هذا المقسم به البراهين على صحة ما أقسم عليه بواسطة عظم ما أقسم به .
الرابع : التنويه بحال المقسم به ؛ لأنه لا يقسم إلا بشيء عظيم ، وهذان الوجهان لا يعودان إلى تصديق الخبر ، بل إلى ذكر الآيات التي أقسم بها تنويها له بها وتنبيها على عظمها .
الخامس : الاهتمام بالمقسم عليه ، وأنه جدير بالعناية والإثبات " انتهى .
"مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (10 /612-613) .
ثانيا :-
أما دعوى النصارى أن ديانتهم "المسيحية" لا ترى حاجة إلى القسم ، وإثارتهم بذلك الشبهة على المسلمين ؛ فقد قلنا من قبل : إن لله الأمر من قبل ومن بعد ، وله سبحانه أن يقسم بما شاء ، ويفعل ما يشاء : ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) .
لكن مع ذلك ، لا يحق للنصراني أن يعترض هنا ، ويتحدث عن أمر في دينهم ، وفي كتبهم المقدسة عندهم ، وليس صحيحا أن الله لم يقسم في كتبهم بشيء من مخلوقاته .
فلنقرأ ذلك :
( قَدْ أَقْسَمَ الرَّبُّ بِفَخْرِ يَعْقُوبَ : إِنِّي لَنْ أَنْسَى إِلَى الأَبَدِ جَمِيعَ أَعْمَالِهِمْ ) عاموس 8 : 7
وفي الترجمة المشتركة بين الطوائف المسيحية لنفس الفقرة :
( بجاهِ يَعقوبَ أقسمَ الرّبُّ : لا أنسى عمَلاً مِنْ أعمالِهِم إلى الأبدِ ) .

وهكذا يكون إله البايبل قد أقسم بالسارق والغشاش والزاني ! .. لأن يعقوب سرق النبوة من أخيه "عيسو" (سفر التكوين الإصحاح 27) .. وغش خاله "لابان" في الغنم (سفر تكوين الإصحاح 30 الأعداد [32-43]).. كما أنه كان متزوجا بأكثر من امرأة هما "راحيل" و"ليئة" (وهما أختان !) .. ودخل على جاريتين كانتا لزوجتيه راحيل وليئة وهما "بلهة" و"زلفة" (سفر التكوين الإصحاح 30 العدد 4) و (سفر التكوين الإصحاح 3 الأعداد 9-10) فيعتبر بذلك زانيا بمقياس النصارى ؟!
ونحن المسلمين نجل نبي الله الكريم ، يعقوب عليه السلام ، من إفك الأفاكين ، وكذب الكذابين ، لكننا نقول للقوم :
يرى أحدكم القذاة في عين أخيه ، ولا يرى الجذع في عينه !!
" لا تَدينوا لكي لا تُدانوا ؛ لأنكم بالدينونة التي بها تَدينون : تُدانون ، وبالكيل الذي به تَكيلون : يُكال لكم . ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك ، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها ؟!! أم كيف تقول لأخيك : دعني أخرج القذى من عينك ، وها الخشبة في عينك ؟!!
يا مرائي ؛ أخرج أولا الخشبةَ من عينك ، وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك!! " [ إنجيل متى 7/1-5] .

هذا إذا كانت في عين أخيك قذاة ؛ فكيف إذا كانت القذاة في عينك أنت ، فتوهمت ـ لملازمتها لك ـ أن في كل شيء تراه قذاة ؟!!
ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ يَجدْ مُرّاً بهِ المَاءَ الزُّلالا

والله تعالى أعلم .


.. الإسلام سؤال وجواب ..
__________________
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
بارك الله فيكم ونفعكم بكم، ووفقني وإياكم لما يحب ويرضى.
أبو عادل غير متواجد حالياً  
قديم 02-18-2011, 04:29 PM   #2
محمود
عضو متألق
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 448
معدل تقييم المستوى: 10
محمود is on a distinguished road
افتراضي

كل الشكر والتقدير لك على الموضوع الرائع .. ...
وجزاك الله عنا كل الخير
.. ثق أننا بانتظار المزيد منك ...
تحياتى ...
محمود غير متواجد حالياً  
قديم 02-19-2011, 07:37 AM   #3
أبو عادل
عضو متألق ومشرح للأشراف على الأقسام الإسلامية
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 2,953
معدل تقييم المستوى: 12
أبو عادل is on a distinguished road
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
بارك الله فيك وجزاك خير الجزاء وأحسنه أخي الكريم محمود على مرورك الكريم و القيم .
__________________
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
بارك الله فيكم ونفعكم بكم، ووفقني وإياكم لما يحب ويرضى.
أبو عادل غير متواجد حالياً  
قديم 09-15-2015, 05:33 PM   #4
ابو نضال
عضو متألق
 
تاريخ التسجيل: Sep 2015
المشاركات: 2,979
معدل تقييم المستوى: 8
ابو نضال is on a distinguished road
افتراضي رد: لماذا يقسم الله تعالى في القرآن ببعض مخلوقاته ؟



بسم الله الرحمن الرحيم




بارك الله بك على هذا الطرح القيم


لك مني احلى واجمل باقة ورد



وجزاك الله خيرا وغفر لك ولوالديك وللمسلمين جميعا



لا اله الا الله محمد رسول الله


ابو نضال غير متواجد حالياً  
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
لماذا شبّه الله الدنيا بالماء فى القرآن الكريم …… المصريه25 منتدى الفقه وأصوله 3 09-23-2015 02:05 AM
لماذا قال الله تعالى : ( فأنزل الله سكينته عليه ) ، ولم يقل : ( عليهما ) ؟ ابوصهيب القرأن الكريم 4 09-15-2015 04:58 PM
هل يجوز للإنسان أن يقسم على الله؟ عبد الحكيم.. قسم فتاوى العلماء 0 10-14-2013 05:05 AM
ما حكم تسمية الأنبياء بغير ما سماهم الله تعالى في القرآن الكريم؟ عبد الحكيم.. قسم فتاوى العلماء 0 04-11-2013 04:42 AM
ماذا يفعل الشيطان ببعض المسلمين في رمضان..الشيخ محمد بن عبد الله الإمام حفظه الله عبد الحكيم.. قسم شهر رمضان المعظم 1 08-03-2011 10:33 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة للمسلمين بشرط الإشارة لشبكة الكعبة الإسلامية
جميع الحقوق محفوظة لـ شبكة الكعبة الإسلامية © 2018